بعد أن كانت الآمال معقلة على قانون العفو العام في العراق للإفراج عن آلاف المعتقلين الأبرياء المحكومين ظلما بتهم الإرهاب، إلا أن تلك الآمال تبددت لعدم تنفيذ القانون على أرض الواقع لغاية الآن.
فالكثير من ذوي المعتقلين ما يزالون يشكون من تأخر إجراءات تنفيذ العفو ورفض الطلبات المقدمة إلى القضاء لإعادة المحاكمات الخاصة بهم، على اعتبار أن المحاكمات المبنية على اعترافات المتهمين تحت التعذيب وبناء على وشاية المخبر السري كانت غير عادلة وأفضت إلى صدور أحكام جائرة على آلاف المعتقلين بتهم الإرهاب.
ومضت 6 أشهر على تمرير قانون العفو إلا أن غالبية المحكومين المفترض شمولهم بالقانون لم يشملهم العفو، إما بسبب رفضهم الطلبات المقدمة للسير بإعادة التحقيق والمحاكمات أو بطء سير الإجراءات في المحاكم نتيجة الزخم الحاصل في الطلبات المقدمة وعدم وجود لجان قضائية تكفي للنظر في تلك الطلبات ومعالجتها بشكل سريع.
وتتصاعد الدعوات للإفراج عن المعتقلين المحكومين بتهم الإرهاب، خاصة وأن أكثر من 70% من المعتقلين صدرت بحقهم أحكام تعسفية استنادًا إلى بلاغات سرّية أو وشايات كيدية، خصوصًا في الفترة التي أعقبت استعادة القوات العراقية السيطرة على المدن التي كانت تحت سيطرة تنظيم “داعش” بين عامي 2014 و2017.
وبحسب البيانات الصادرة عن وزارة العدل العراقية فإن عدد نزلاء السجون الاصلاحية التابعة للوزارة يبلغ نحو 70 ألف محكوم، نحو نصفهم محكومين بتهم تتعلق بقضايا الإرهاب، فيما تشير آخر بيانات الوزارة إلى عدد المحكومين المفرج عنهم وفقا لقانون العفو العام يبلغ 6 آلاف 818 محكوما بقضايا مختلفة، تم إطلاق سراحهم من سجون الوزارة البالغة 30 سجنا إصلاحيا في عموم البلاد.
وخلال العامين الماضيين، عملت القوى السنية في البرلمان العراقي لسن قانون العفو العام من أجل انصاف المظلومين الذين صدرت بحقهم أحكاما قضائية بتهم الإرهاب إما بعد انتزاع الاعتراف بالإكراه أو بسبب شهادة المخبر السري، لكن الضغوط السياسية أضافت للقانون فقرات عدة أفضت لشمول فئات أخرى من المعتقلين بقضايا جنائية ومنها قضايا الفساد، والاختلاس، والمخدرات وغيرها.
وحصلت شبكة “الساعة” على شهادات من ذوي المعتقلين تفيد بعدم شمول ذويهم بإجراءات العفو لغاية الآن، الحاج أبو محمود من سكنة الموصل وواحد من الآباء الذين ينتظرون بشغف الإفراج عن نجله المحكوم بالسجن المؤبد بتهمة الانتماء لداعش، يقول إن “نجله علي ألقي القبض عليه عقب عمليات التحرير وتحديدا في العام 2018 عندما داهمت قوة من الشرطة منزله في حي الوحدة شرقي الموصل”.
وبين أن “ابنه نزيل حاليا في سجن الحوت بمدينة الناصرية، وصدر عليه الحكم بتهمة الانتماء لداعش والمشاركة في العمليات ضد القوات العراقية، فيما ينفي والد المعتقل جملة وتفصيلا تورط نجله بتلك العمليات أو الانتماء لداعش”.
ويؤكد الحاج أبو محمود أن “المخبر السري هو الذي يقف وراء اعتقال نجله”، مشيراً إلى أن “المشتكي في القضية غير موجود وغير معلوم، وهو ما يعزز القناعة ببراءة نجله من التهم المنسوبة إليه”.
وأوضح أنه “قدم طلبا لمحكمة الجنايات في نينوى قبل 3 أشهر من أجل إعادة التحقيق مع ابنه لكن لم يرد جوابا على الطلب لغاية الآن”، منوهاً إلى أن “الطلبات التي تقدم ترافقها عمليات ابتزاز كبيرة فالذي يدفع مبالغ مالية لبعض المتنفذين فإن طلبه قد يلقى قبولا أما الذين لا يدفعون تلك المبالغ فإن طالبتهم تبقى قيد الانتظار أو الرفض”.
وناشد الحاج أبو محمود مجلس القضاء الأعلى ورئاسات الوزراء والبرلمان والجمهورية بـ”التدخل السريع وإعادة التحقيق مع المحكومين ظلما، والإفراج السريع عنهم”.
وفي المقابل يؤكد سلمان عمر أحد المعتقلين المفرج عنهم من سجن التاجي بقانون العفو العام، أن الإفراج تم مطلع شهر تموز الحالي، وبين أنه كان محكوما بالسجن لمدة 15 عاما بتهمة مساندة ومناصرة تنظيم “داعش”، وهي التهمة التي لم يتوفر فيها دليل ولا شاهد ولا مشتكي.
وقال عمر وهو أحد سكنة منطقة الزهور في جانب الموصل الأيسر إن “اعتقاله جاء بناء على بلاغ كاذب قدمه أحد أقاربي الذي يعمل بصفة ضابط في أحد الأجهزة الأمنية نتيجة خلاف عائلي سابق”.
وبين أن “الحكم صدر بالسجن عام 2017 عقب العمليات العسكرية بعد انتزاع اعترافات تحت التعذيب خلال عمليات التحقيق”، لكنه أشار إلى أنه “شمل بإعادة المحاكمة وخلال المحاكمة الجديدة قرر القضاء براءته وإلغاء الحكم السابق ومن ثم شموله بالعفو العام”.
وأكد عمر أنه ومن خلال وجوده في سجن التاجي في بغداد يمكن القول إن “80% من المحكومين بتهم الإرهاب هم أبرياء، ولكن غياب العدالة خلال مرحلة التحقيق هي من تسببت بالظلم الكبير داخل السجون العراقية”.
وعن هذا الموضوع أكد مصدر قضائي في نينوى أن محاكم الموصل شهدت عمليات رفض واسعة للطلبات المقدمة من ذوي المعتقلين بشأن شمول ذويهم بالعفو العام.
وقال المصدر إن “أغلب الطلبات التي قدمت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من إصدار قانون العفو كانت تقابل بالرفض وعدم الشمول بإجراءات إعادة التحقيق وهو ما شكل صدمة للكثير من الجهات السياسية السنية التي قدمت طلبات مستمرة والتقت برئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان وشكت له من إجراءات المحاكم في التعامل مع ملف العفو”.
وبين أن “القاضي زيدان وبعد تلك اللقاءات أصدر توجيهات للمحاكم في مختلف المحافظات لتسهيل إجراءات قبول الطلبات وعدم وضع العراقيل أمامها وتحويل النظر في إمكانية شمولهم بالقانون من عدمه إلى اللجان القضائية المختصة”.
وأشار المصدر إلى أن “جميع السلطات تعلم جيدا بأن نحو 70% من المحكومين بقضايا الإرهاب إما قد صدرت بحقهم أحاكما تعسفية مشددة أو أن أغلبهم قد صدرت عليهم أحاكما ظالمة جراء الخلل الحاصل في التحقيق من قبل أجهزة الأمن التي كانت تستخدم آلية انتزاع الاعترافات من المعتقلين بالقوة والتعذيب”.
ولفت إلى أن “العديد من المحكومين الذين قدمت بحقهم طلبات الشمول بالعفو اعتقلوا بعد عمليات التحرير بسبب وجود أسماهم في سجلات داعش، ولكن في قوائم المطلوبين للتنظيم أو المعتقلين في سجونه، وهو ما يؤكد وجود أعداد كبيرة من المحكومين الأبرياء في السجون العراقية”.
وأوضح المصدر أن “تطبيق قانون العفو يواجه مشكلة في التنفيذ بسبب ضغوطات القوى الشيعية التي تضغط لعدم شمول المحكومين بقضايا الإرهاب بالعفو، كما أن جهات التحقيق الأمنية تدفع لعدم تطبيق القانون كونها ستظهر مدانة بالانتهاكات خلال انتزاع الاعترافات من المعتقلين”.
من جهته يؤكد عضو مجلس النواب طالب المعماري وجود تأخير في تطبيق قانون العفو والإفراج عن المفترض شمولهم بالقانون، وأشار إلى وجود بطء في تنفيذ إجراءات العفو، لكنه عزا ذلك إلى أسباب عدة منها الزخم الحاصل في الطلبات المقدمة من ذوي المعتقلين.
وقال المعماري في حديث لشبكة “الساعة”: إن “التأخير في تطبيق القانون يرجع إلى الزخم الحاصل على المحاكم بسبب العدد الكبير للمحكومين وكذلك قلة عدد اللجان القضائية المختصة بالنظر في الطلبات”، مبينا أن “طلبات قدمت من أعضاء مجلس النواب للجهات القضائية من أجل زيادة عدد تلك اللجان من أجل النظر في قضايا المعتقلين وحسمها بشكل سريع”.
وأوضح أن “التأخير كان بشكل واضح في الأشهر الأولى التي أعقبت صدور القانون، ولكنها تلك الإجراءات بدأت مؤخرا تسير بشكل أسرع بعد توجيهات صدرت من القضاء بهذا الخصوص، وإلغاء شرط تقديم طلبات العفو من قبل محامين والسماح لذوي المعتقلين تقديم الطلبات بشكل مباشر مما سهل في آلية تقديم الطلبات ولاسيما في مجال إعادة المحاكمات والتحقيق في الأحكام التي اعتمدت على شهادة المخبر السري والشاهد المتهم أو تحت التعذيب ووجود التقارير الطبية التي تثبت التعرض للتعذيب”.
ونوه المعماري إلى “عدم وجود اعتراضات على تدقيق الجهات القضائية في قبول ورفض طلبات الشمول بالعفو وذلك لأن الجميع لا يرغب بشمول مسلحي داعش ومرتكبي جرائم القتل بقانون العفو، فيما كشف عن موافقة القضاء مؤخرا عن تقديم ذوي المحكومين طعونا في طلبات الشمول بالعفو والتي صدرت بها قرارات بالرفض فيما وقت سابق، ما يعطي فرص أخرى لإنصاف المعتقلين وإعادة النظر في قضاياهم”.
من جانبه، أكد الخبير القانوني داود العكيدي أن لا مبررات قانونية لتأخير تنفيذ قانون العفو العام بعد إقراره من قبل مجلس النواب، مشددًا على ضرورة تطبيق القانون كما صوّت عليه البرلمان دون أي تعديل يفرغه من مضمونه.
وقال العكيدي لشبكة “الساعة”: إن “المحاكم في نينوى لم تتفاعل طيلة الفترة الماضية مع طلبات الشمول بالقانون، ولكنها القضايا بدأت بالتحرك خلال الشهرين الماضيين بشكل أفضل من السابق”، مبينا أن “محاكم نينوى تقوم وبشكل يومي بالنظر في مئات الطلبات وتسيير نحو 300 طلب نحو إعادة التحقيق والمحاكمة”.
ولفت العكيدي إلى أن “التأخير الحاصل في الإجراءات يرجع إلى قلة اللجان القضائية التي تنظر في القضايا والطلبات وعدم تفرغها للنظر في تلك الطلبات، إذ أن تلك اللجان تنظر بطلبات العفو إضافة إلى مهام أخرى كانت تمارسها سابقا وهو ما يتسبب ببطء في سير إجراءات تطبيق قانون العفو العام.









